محمد سعيد رمضان البوطي
39
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
إذا أهلوا : « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك » فيوحدونه - كما قال ابن هشام - بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ، ويجعلون ملكها بيده . والخلاصة أن نشأة التاريخ العربي إنما تمت في كنف الحنيفية السمحة التي بعث بها أبو الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فكانت تغمر حياتهم عقيدة التوحيد ونور الهداية والإيمان ، ثم أخذ العرب يبتعدون عن ذلك الحق رويدا رويدا ، بعامل امتداد الزمن وتطاول القرون وبعد العهد وأخذت حياتهم تنغمر بدلا من ذلك بظلمات الشرك وضلالات الفكر وعماهة الجهل ، مع استمرار بقايا من معالم الحق القديم ومبادئه تخبّ في سير بطيء مع تاريخهم ، تذوي وتضعف مع الدهر ويقل أنصارها ما بين سنة وأخرى . فلما استنارت شعلة الدين الحنيف من جديد ، ببعثة خاتم الأنبياء محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، أقبل الوحي الإلهي إلى كل ما قد تكثف من ضلال وظلمات خلال تلك الحقبة الطويلة من الزمن فمحاه وأنار مكانه بقبس الإيمان والتوحيد ومبادئ العدالة والحق ، وأقبل إلى تلك البقايا التي امتدت بها الحياة إلى مشرق النور الجديد ، مما كان قد بعث به إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأقرته الشرائع الإلهية ، فأقرها وأكدها وجدد الدعوة إليها . * * * ولا ريب أن من نافلة القول وفضوله أن نؤكد بأن هذا الذي نقرره شيء معروف بالبداهة لمن اطلع على التاريخ . وأنه شيء ثابت بالبداهة لمن درس شيئا من الإسلام ، غير أننا نضطر في هذا العصر إلى أن نضيع كثيرا من الوقت في تأكيد البدهيات وتوضيح الواضحات . وذلك بعد أن رأينا بأعيننا كيف يخضع بعض الناس اعتقاداتهم لمجرد ما قد يكون في نفوسهم من الرغبة والإرادة . أجل ، فلقد عاشت هذه النوعية من الناس ، ولم يعد يهمها أنها إنما تصفّد عقلها بأقسى أغلال العبودية والاسترقاق الفكري ! . . وما أعظم الفرق بين أن تكون إرادتك من وراء عقيدتك ، وبين أن تكون عقيدتك من وراء إرادتك . ما أعظم الفرق بينهما علوا وإسفافا ، وعزة وانحطاطا ! . . لقد وجد ناس يقولون - على الرغم من بداهة ما قلناه ووضوح براهينه - : إن العصر الجاهلي أخذ يستيقظ قبيل البعثة على السبيل الأمثل الذي يجب اتباعه ، وأخذت الأفكار العربية تثور على مظاهر الشرك وعبادة الأصنام وما يحف بها ويتبعها من خرافات الجاهلية ، ولقد تمثلت هذه اليقظة ببعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ودعوته الجديدة . ومعنى هذه الدعوة - كما لا يخفى عليك - أن التاريخ الجاهلي كان يزداد تفتحا على حقائق التوحيد ونور الهداية مع امتداد الزمن وتطاول الدهر ، أي أنهم كلما ابتعدوا عن عهد إبراهيم